يحيي بن حمزة العلوي اليمني
144
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
المقصد الثالث في إفادته للبيان والإيضاح وهذه أيضا هي فائدة التشبيه الكبرى ، فإنه يخرج المبهم إلى الإيضاح والمتلبس إلى البيان ، ويكسوه حلة الظهور بعد خفائه ، والبروز بعد استتاره وهذا كقوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] الآية ، وقوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ الآية [ البقرة : 19 - 20 ] فهاتان الآيتان واردتان مثالا وتشبيها بحال أهل النفاق . وإيضاحا وبيانا لأمرهم فيما ظهر لهم من النور التام بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإعراضهم عنه ، فشبه حالهم في ذلك بالمستوقد للنار ، وبالصيب الذي فيه الرعد والبرق ، كشفا لحالهم في النفاق ، وإظهارا لأمرهم فيه ، فنظام هذه الآية وسياقها دال على نهاية الإيضاح بالتشبيه ، وإظهار حالهم به ، وهكذا إذا قلت زيد يفيض فيض البحر ، ويقدم إقداما كالأسد ، فإنك بذكر هذا التشبيه قد أوضحت أمره في الكرم والشجاعة ، وكشفت ذلك بالإيضاح كشفا لا غاية له ولا مزيد عليه ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل » « 1 » يعنى في قطع العلائق ، وخفة الحال ، فإن الغريب لا علقة له في بلاد الغربة ، وابن السبيل لا لبث له إلا مقدار العبور وقطع المسافة ، فهذا المعنى قد أظهره التشبيه نهاية الظهور وأوضح حاله كما تراه . ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه « كن في الفتنة كابن اللّيون ، لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب » أراد أن الفتن إذا تلبس الإنسان بها ووقع في غمرتها كان أدعى للهلاك وأقرب إلى تورط النفوس ، وإذا كان لا علقة له بها ، فربما كان ذلك أدعى للسلامة وأقرب إلى الخلاص عنها ، وهذه المعاني قد أشعر بها التشبيه ودل عليها ومن واضح التشبيه قول أبى نواس في ذم الدنيا وتقبيحها : إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدو في ثياب صديق فهذا من التشبيه الواضح المضمر الأداة فلهذا أوردناه هاهنا ، ومن أعجب ما يورد مثالا في وضوح التشبيه قول البحتري :
--> ( 1 ) صحيح أخرجه البخاري عن ابن عمر ، وانظر صحيح الجامع ( 4579 ) ، والصحيحة : ( 1157 ) .